أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

220

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

تقديره : « أتل ما حرّم ، ثمّ أتل ما آتينا » . وقيل : هو عطف على « قل » ، أي : على إضمار « قل » ، أي : ثمّ قل آتينا . وقيل : تقديره : ثم أخبركم آتينا . وقال الزمخشري : « عطف على » وصّاكم به . قال : « فإن قلت : كيف صحّ عطفه عليه ب « ثُمَّ » ، والإيتاء قبل التوصية بدهر طويل ؟ قلت : هذه التوصية قديمة لم يزل يتواصاها كل أمة على لسان نبيها ، فكأنه قيل : ذلكم وصّاكم به يا بني آدم قديما وحديثا ، ثمّ أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب . وقيل : هو معطوف على ما تقدم قبل شطر السورة من قوله : وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ . * وقال ابن عطية : « مهلتها في ترتيب القول الذي أمر به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، كأنه قال : ثمّ مما وصيناه أنا آتينا موسى الكتاب ، ويدعو إلى ذلك أن موسى عليه السّلام متقدم بالزمان على محمد عليه السّلام » . وقال ابن القشيري : « في الكلام محذوف ، تقديره : ثمّ كنا قد آتينا موسى الكتاب ، قبل إنزالنا القرآن على محمد عليه الصلاة والسّلام » . وقال الشيخ « 1 » : « والذي ينبغي أن تستعمل للعطف ، كالواو ، من غير اعتبار مهلة ، وبذلك قال بعض النحويين . قلت : وهذه استراحة ، وأيضا لا يلزم من انتفاء المهملة انتفاء الترتيب ، وكان ينبغي أن يقول : من غير اعتبار ترتيب ، ولا مهلة ، على أن الغرض في هذه الآية عدم الترتيب في الزمان . قوله : « تَماماً » يجوز فيه خمسة أوجه : أحدها : أنه مفعول من أجله ، أي : لأجل تمام نعمتنا . الثاني : أنه حال من « الْكِتابَ ، أي : حال كونه تماما . الثالث : أنه نصب على المصدر ، لأنه بمعنى : آتيناه إيتاء تمام ، لا نقصان . الرابع : أنه حال من الفاعل ، أي : متمين . الخامس : أنه مصدر منصوب بفعل مقدر من لفظه ، ويكون مصدرا على حذف الزوائد ، والتقدير : أتممناه إتماما . و « عَلَى الَّذِي » متعلّق ب « تَماماً » ، أو بمحذوف ، على أنه صفة ، هذا إذا لم يجعل مصدرا مؤكدا ، فإنّ جعل تعين جعله صفة . و « أَحْسَنَ » فيه وجهان : أظهرهما : أنه فعل ماض ، واقع صلة للموصول ، وفاعله مضمر يعود على « مُوسَى » ، أي : تماما على الذي أحسن ، فيكون « الَّذِي » عبارة عن « مُوسَى » . وقيل : كل من أحسن . وقيل : « الَّذِي » عبارة عمّا عمله موسى وأتقنه ، أي : تماما على الذي أحسنه موسى . والثاني : أن « أَحْسَنَ » اسم على وزن « أفعل » ، ك « أفضل ، وأكرم » ، واستغنى بوصف الموصول عن صلته ، وذلك أن الموصول متى وصف بمعرفة ، نحو : « مررت بالذي أخيك » ، أو بما يقارب المعرفة نحو : « مررت بالذي خير منك ، وبالذي أحسن منك » جاز ذلك ، واستغنى عن صلته ، وهو مذهب الفراء ، وأنشد : 2138 - حتّى إذا كانا هما اللّذين * مثل الجديلين المحملجين « 2 »

--> ( 1 ) انظر البحر 4 / 255 . ( 2 ) انظر البيت في الهمع ( 1 / 86 ) ، شرح الكافية الشافية ( 1 / 267 ) ، ابن يعيش ( 3 / 153 ) ، الدرر ( 1 / 62 ) .